24/03/2026
مهنة العدول بين قدسية الاسم وثِقل الأمانة
تُعد مهنة العدول في المغرب من أعرق المهن القانونية، وأكثرها التصاقًا بحياة الأفراد اليومية، لما تضطلع به من دور محوري في توثيق المعاملات، وصيانة الحقوق، وإضفاء الشرعية على مختلف التصرفات المدنية والأسرية والعقارية. فهي ليست مجرد وظيفة تقنية تُعنى بتحرير العقود، بل رسالة قائمة على الثقة، وأمانة ثقيلة تتطلب من حاملها قدرًا عاليًا من النزاهة والاستقامة.
وإذا كانت المهن تُقاس بقيمة رسالتها، فإن مهنة العدول تستمد جانبًا من سموها من ارتباطها بمفهوم العدل، الذي لا يُعد فقط مبدأ قانونيًا، بل هو أيضًا اسم من أسماء الله الحسنى، يحمل في طياته معاني الإنصاف، والتوازن، وإعطاء كل ذي حق حقه دون ميل أو محاباة.
إن استحضار اسم “العدل” في هذا السياق، يضفي على المهنة بُعدًا أخلاقيًا وروحيًا عميقًا، يجعل من العدل (المهني) ليس مجرد موثق، بل شاهدًا على الحقوق، ومؤتمنًا على مصالح الناس، وفاعلًا في تحقيق الأمن التعاقدي داخل المجتمع. فهو يمارس عمله في منطقة دقيقة تتقاطع فيها الإرادة الإنسانية مع الضوابط القانونية، ويكون مطالبًا دومًا بأن يُرجّح كفة الحق، وأن يُحصّن الوثيقة من كل شائبة قد تُفضي إلى النزاع أو الظلم.
غير أن حمل هذا الاسم ليس بالأمر الهيّن، فالعدل – كاسم إلهي – يدل على الكمال المطلق في الإنصاف، وهو ما يفرض على من ينتسب إلى هذه المهنة أن يكون على قدرٍ من التحري والدقة والضمير المهني، بحيث لا تتحول الوثيقة إلى مجرد ورقة، بل إلى مرآة تعكس حقيقة الإرادة، وتحفظ التوازن بين الأطراف.
ومن هنا، فإن مهنة العدول لا تنفصل عن القيم التي تؤسس لها، وعلى رأسها الصدق، والحياد، والكتمان، وتحمل المسؤولية. فكل إخلال بهذه القيم لا يُعد فقط مخالفة قانونية، بل مساسًا بجوهر المهنة وبالمعنى العميق لكلمة “العدل”.
وفي ظل التحولات التي يشهدها المجتمع، وتزايد الحاجة إلى تأمين المعاملات، تظل مهنة العدول ركيزة أساسية في تحقيق الاستقرار القانوني، وضمان الأمن التعاقدي، وهو ما يفرض تعزيز مكانتها، وتحصينها من كل الممارسات التي قد تُسيء إليها أو تُفرغها من محتواها القيمي
إن مهنة العدول ليست مجرد إطار قانوني لممارسة التوثيق، بل هي التزام أخلاقي عميق، يستمد روحه من اسم عظيم من أسماء الله الحسنى: العدل. ومن حمل هذا الاسم مهنةً، فقد حمل معه أمانةً ثقيلة، لا يُؤديها على وجهها إلا من جعل من الضمير رقيبًا، ومن القانون ميزانًا، ومن العدل غايةً لا تُحيد.