06/06/2026
انقضاء الدعوى بوفاة الموقوف ومسؤولية الدولة القائمة
أثارت قضية توقيف وكيل وزير النفط السابق ، وما تلاها من تداول أخبار متضاربة بشأن وفاته، اهتماماً واسعاً في الأوساط القانونية والإعلامية والشعبية. وفي مثل هذه القضايا، تبرز الأهمية البالغة للتمييز بين الوقائع الثابتة والشائعات المتداولة، وبين ما يقرره القانون وما تمليه الانفعالات أو التخمينات؛ إذ إن توقيف أي متهم، مهما كان منصبه أو طبيعة التهم الموجهة إليه، لا يعني إدانته قانوناً، فالأصل في الإنسان البراءة حتى تثبت إدانته بموجب حكم قضائي بات. وتعد هذه القاعدة ضمانة دستورية أساسية تهدف إلى حماية الحقوق والحريات، وتمنع إطلاق الأحكام المسبقة خارج أروقة القضاء، لكون السلطة القضائية هي الجهة الوحيدة المختصة حصراً بإدانة المتهمين أو تبرئتهم بعد استكمال التحقيقات الأصولية.
وفي المقابل، تتحمل الدولة مسؤولية قانونية وأخلاقية كاملة عن سلامة الأشخاص المودعين تحت سلطتها أثناء مدة التوقيف أو الاحتجاز. وبناءً على ذلك، فإن حدوث وفاة لأي موقوف خلال فترة توقيفه يستوجب إجراء تحقيق فوري، مستقل، وشفاف للوقوف على أسباب الوفاة والظروف المحيطة بها، ترسيخاً للعدالة وسيادة القانون، وسواء كانت الوفاة طبيعية أو ناشئة عن أي سبب آخر.
أما من الناحية القانونية، فإن وفاة المتهم تؤدي إلى انقضاء الدعوى الجزائية بحقه لزوال محل المسؤولية الجزائية، وهو ما نصت عليه المادة ٣٠٠ من قانون أصول المحاكمات الجزائية بقولها: (تنقضي الدعوى الجزائية بوفاة المتهم أو صدور حكم بات بإدانته أو براءته أو حكم أو قرار بات بعدم مسؤوليته عن الجريمة المسندة إليه أو قرار نهائي بالإفراج عنه أو بالعفو عن الجريمة أو بوقف الإجراءات فيها وقفاً نهائياً أو في الأحوال الأخرى التي ينص عليها القانون)، وذلك تأسيساً على مبدأ شخصية العقوبة التي لا تتعدى المحكوم عليه إلى غيره.
إلا أن انقضاء الدعوى الجزائية بوفاة المتهم لا يحول دون استمرار الإجراءات القانونية المتعلقة باسترداد الأموال العامة، أو المطالبة بالحقوق المدنية، أو ملاحقة المسؤوليات المالية والقانونية الأخرى التي لا ترتبط بشخص المتهم وحده. ومع تسارع وتيرة تداول المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزداد الحاجة الملحة للاعتماد الحصري على البيانات الصادرة عن الجهات الرسمية كمصدر وحيد للأخبار المتعلقة بالقضايا الجنائية، لا سيما تلك التي تشغل الرأي العام؛ تجنباً للشائعات التي قد تؤثر سلباً على مسار العدالة أو تمس بسمعة الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
إن احترام القانون يقتضي التريث وانتظار نتائج التحقيقات الرسمية والبيانات الصادرة عن الجهات المختصة، بعيداً عن الاستنتاجات المسبقة؛ فالعدالة لا ترتكز على الشائعات، وإنما تُبنى على الحقائق والأدلة المادية والإجراءات القانونية السليمة.
وفي الأحوال كافة، تظل سيادة القانون هي المعيار الأساسي لقوة الدولة ورصانة مؤسساتها، كما تظل الشفافية في التعاطي مع مثل هذه القضايا ركيزة جوهرية لتعزيز ثقة المواطنين بالسلطة القضائية والأجهزة المعنية بإنفاذ القانون.