20/08/2026
✍🏻 الابتسامة في القانون العراقي
بين عفوية التعبير ودلالة الأثر القانوني
•وأنا أتصفّح مجموعة الصور التي التقطها لي المصوّر اليوم، استوقفتني الصورة المرفقة التي أبدو فيها مبتسماً وإذا بتلك الابتسامة العابرة تقودني إلى تساؤل جوهري: هل للابتسامة تنظيمٌ في القانون العراقي؟ وهل يمكن لحركة صامتة ترتسم على الوجه أن تعبّر عن إرادة أو تحمل إساءة أو تُرتّب أثراً قانونياً؟
•قد يبدو التساؤل طريفاً للوهلة الأولى غير أن القانون لا يقتصر في أحكامه على الأقوال المكتوبة أو المنطوقة؛ إذ قد يستخلص من الإشارة أو الحركة أو المسلك دلالةً تكشف عن إرادة أو تفضح قصداً أو تسهم في تكوين قناعة قضائية.
نجيب عن التساؤل آنفاً وفق المنهجية الآتية:
أولاً: ماهية الابتسامة:
1.الابتسامة لغة: تدل على انبساط ملامح الوجه وانفراج الشفتين تعبيراً عن سرور أو رضا أو ترحيب، إلا أن هذا المعنى ليس ثابتاً في جميع الأحوال؛ فقد تكون الابتسامة وليدة الحرج، أو المجاملة، أو الاضطراب، وقد تُستعمل للسخرية أو الاستفزاز أو التحقير.
2. الابتسامة قانونا: يمكن أن نُعرّف الابتسامة قانوناً بأنها: «مظهرٌ تعبيري غير لفظي يرتسم على الوجه وقد يكشف بحسب السياق والملابسات عن رضا أو قبول أو تهكم أو تحقير من دون أن تكون له دلالة قانونية ثابتة في ذاته».
ثانياً: الابتسامة بوصفها وسيلة غير لفظية للتعبير عن الإرادة:
•لم يحصر القانون المدني العراقي التعبير عن الإرادة بالكلام والكتابة إذ أجازت المادة (79) من القانون المدني رقم (40) لسنة 1951 صدور الإيجاب أو القبول بالإشارة الشائعة أو بالمبادلة الفعلية أو باتخاذ «أي مسلك آخر لا تدع ظروف الحال شكاً في دلالته على التراضي».
•ومؤدى النص أن المشرّع لم يعتد بالشكل الخارجي للمسلك بقدر اعتداده بوضوح دلالته؛ ومن ثم لا يوجد ما يمنع من حيث المبدأ أن تكون الابتسامة جزءاً من سلوك يكشف عن القبول بشرط أن تحيط بها ظروف تقطع بهذا المعنى، فإذا عرض شخص عقداً على آخر فابتسم الأخير، فلا تكفي ابتسامته وحدها لعدّ العقد مقبولاً لأنها تحتمل الرضا والمجاملة والتردد والرفض المهذب، أما إذا اقترنت الابتسامة بهزّ الرأس بالموافقة أو تسلّم محل العقد أو الشروع في التنفيذ فقد تستخلص المحكمة القبول من مجموع المسلك، لا من الابتسامة منعزلةً عنه.
ثالثاً: الابتسامة بين أصل الإباحة وحدود المسؤولية القانونية:
•الأصل في الابتسامة والضحك الإباحة فلا يوجد في القانون العراقي نص يعاقب على الابتسام أو الضحك لذاتهما كل ذلك مصدقا لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات المقرر في المادة (19/ثانياً) من الدستور والمادة (1) من قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969، فلا عقاب على فعل إلا بناءً على نص يجرّمه وقت ارتكابه.
فهل يمكن لابتسامة ساخرة أن تدخل في نطاق التجريم؟
•نرى أنها تدخل في نطاق التجريم إذا أصبحت الابتسامة فعلاً تواصلياً واضحاً لا يحتمل في ظروف الواقعة إلا معنى الإهانة واقترنت بعبارات أو إشارات أو سلوك متكرر يكشف عن القصد الجرمي، أما الابتسامة المنفردة المحتملة لأكثر من تفسير فلا ينبغي أن يُقام عليها التجريم لأن الاحكام الجزائية تبنى على الجزم واليقين لا على الشكِ والتخمين.
رابعاً: ضوابط استخلاص الدلالة القانونية للابتسامة:
•لا يجوز تفسير الابتسامة بمعزل عن محيطها، بل يتعين إخضاعها لمعيار مركب يقوم على سياق الواقعة وطبيعة العلاقة بين أطرافها والشخص الذي وُجهت إليه والمكان والزمان اللذين صدرت فيهما، والكلمات أو الإشارات المصاحبة لها ومدى تكرارها وعلانيتها والعرف الاجتماعي والأثر الذي أحدثته فضلاً عن القصد الذي تكشف عنه القرائن.
•وفي البيئة الرقمية يضاف إلى ذلك نوع الرمز المستعمل وموقعه من تسلسل المحادثة والرسالة التي جاء رداً عليها وطريقة الطرفين المعتادة في التواصل مع التثبت من صحة نسبة الحساب والمحادثة إلى صاحبها وسلامة الدليل الرقمي من التلاعب.
ختاماً حسن فعل المشرع حين ترك الابتسامة عفوية دون تنظيم يحكمها الأصل العام في الإشياء (الإباحة).
الحقوقي
نهاد منصور الناموس
باحث دكتوراه قانون خاص