04/10/2025
هذا ما كتبه الباحث المتميز المستشار نور حماد تعليقاً بشأن عدم لزوم إعادة صياغة قانون جديد للإجراءات الجنائية،رأيت إعادة نشرة لما تضمنه من شرح شامل ودقيق للحالة:
"في الحقيقة، ما أثير حول مسألة إعادة صياغة قانون الإجراءات الجنائية المصري دون إدخال تعديلات جوهرية يثير إشكالية حقيقية في فلسفة التشريع. إذ أن إعادة إنتاج ذات النصوص بأرقام وصياغات مختلفة لا يمثل إصلاحًا حقيقيًا، بل قد يُدخل اضطرابًا في التطبيق العملي ويُفقد الباحثين والقضاة والمحامين القدرة على استقرار التفسير.
القوانين الإجرائية – بخلاف القوانين الموضوعية – تقوم على مبدأ الاستقرار والوضوح واليقين القانوني. وفي هذا السياق، نجد أن التجارب المقارنة الكبرى، مثل القانون الفرنسي (Code de procédure pénale) أو القانون الألماني للإجراءات الجنائية (Strafprozessordnung)، لم تُبنَ على الإلغاء الشامل وإعادة الكتابة، وإنما على آلية التعديلات الجزئية المتدرجة التي تستجيب لحاجات العدالة وتطورات الضمانات الدستورية، مع الحفاظ على البنية الأساسية للنصوص، بما يضمن الاستمرارية وعدم إرباك العمل القضائي.
أما في الحالة المصرية، فإن النصوص القائمة بالفعل تتضمن العديد من الضمانات الجوهرية – سواء لحقوق الدفاع أو لحماية الحرية الشخصية – لكن الإشكالية الكبرى تكمن في ضعف التفعيل الفعلي لهذه النصوص. لذلك، فإن الأولوية يجب أن تكون:
1. إدخال تعديلات نوعية محدودة تستجيب لمتطلبات الدستور المصري وأحكام المحكمة الدستورية العليا، مثل:
• ضمان حضور المحامي مع المتهم منذ لحظة القبض والتحقيق.
• النص على بطلان صريح لأي إجراء يتم في غياب هذه الضمانات.
• تعزيز دور المجني عليه في الدعوى الإجرائية بما يتفق مع العدالة التصالحية.
2. تفعيل النصوص القائمة عبر آليات رقابة وتدريب جاد لأعضاء النيابة العامة ورجال الضبط القضائي على التطبيق السليم، وإرساء ثقافة احترام الضمانات بدلاً من التعامل معها كعقبات إجرائية.
3. الحذر من الإصلاح الشكلي، إذ أن إعادة صياغة المواد أو تغيير أرقامها دون مضمون جديد لن يضيف إلى العدالة شيئًا، بل قد يضعف الثقة في التشريع، ويجعل الإصلاح في نظر المجتمع القانوني مجرد عرض إعلامي أو “شو” لا أكثر.
إن الإصلاح الحقيقي لقانون الإجراءات الجنائية لا يقوم على الهدم وإعادة البناء من الصفر، بل على التطوير المدروس والموضعي، بحيث يتم التوفيق بين مقتضيات العدالة الجنائية وحقوق الإنسان، وهو ما تفعله معظم النظم القانونية المتقدمة".