26/05/2024
عودة القضايا التاريخية المزمنة كعقبة أمام خيارات مصر الاستراتيجية
أعادت عملية ٧ أكتوبر وما أعقبها من عدوان إسرائيلي على قطاع غزة الزخم للقضية الفلسطينية، وفرضت تداعيات الحرب نفسها على مصر، والإقليم، والعالم. ولعل أخطر ما في هذه المواجهة المحتدمة هو انكشاف النيات والخطط الإسرائيلية حول مستقبل غزة وأهلها. وأعلنت إسرائيل رغبتها -على لسان كبار مسؤوليها- في نقل الفلسطينيين إلى سيناء كحل «مؤقت» أو «دائم» لمشكلة القطاع. كما صرح «بنيامين نتنياهو» رئيس الوزراء الإسرائيلي في 23 نوفمبر 2023 بأنه «لا سلام مع الفلسطينيين والدول العربية دون القضاء على حماس». إذن، فالقضية الفلسطينية تتراوح بين الإبادة أو التهجير والطرد من وجهة النظر الإسرائيلية، ويضع ذلك مصر أمام العديد من التحديات. وفي هذا الصدد، أكَّد الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» في هذا السياق يوم 18 أكتوبر 2023 أن «بإمكان إسرائيل نقل المواطنين الفلسطينيين من غزة إلى صحراء النقب الإسرائيلية إذا كانت متمسكة بفكرة تهجيرهم لحين الانتهاء من العملية العسكرية» ليغلق بذلك الباب أمام أي أوهام إسرائيلية في هذا الصدد.
تأثير عملية التحول في النظام العالمي إلى عالم متعدد الأقطاب في الاختيارات المصرية
قد يبدو أن موقع هذا العنوان يجب أن يكون في نهاية المقال، لا سيَّما وأن العنوان التالي مرتبط بمحاور مصر الاستراتيجية، ولكن واقع الأمر أن ملف التحول في النظام العالمي يؤثر في مصر بداية من المحور الاستراتيجي الشرقي؛ حيث يتنافس مشروع طريق الحرير الجديد، ومشروع ممر الهند الشرق الأوسط أوروبا على طرق النقل بين الشرق والغرب. ولأن طريق الحرير الجديد يحتوي على شق بحري مرتبط بالعبور عبر قناة السويس، وفي ضوء الصعوبات التي تواجه طريق الحرير البري في الوقت الراهن بسبب العقوبات المفروضة على روسيا من الاتحاد الأوروبي، فإن استخدام قناة السويس يعد ركنًا أساسيًّا في طريق الحرير الجديد. ولكن في سبتمبر 2023، تم الإعلان في قمة مجموعة العشرين التي عُقدت في العاصمة الهندية نيودلهي عن إطلاق مشروع ممر الهند الشرق الأوسط أوروبا، ليكون ممرًا اقتصاديًّا-تجاريًّا-تنمويًّا يربط بين الشرق وأوروبا، ويبدأ الخط من المواني الهندية مرورًا بالإمارات العربية المتحدة، ثم السعودية، ثم الأردن، ثم إسرائيل، ويعبر البحر المتوسط وينتهي في إيطاليا. ورغم أنه لا يزال قيد الدراسات الأولية، فإنه يساهم في بناء تكتل إقليمي جديد في مشرق العالم العربي بناءً على الاتفاق الإبراهيمي الذي يضم كلًّا من إسرائيل والإمارات والبحرين.
وتسببت تداعيات الحرب في عرقلة مشروع ممر الهند الشرق الأوسط أوروبا لفترة زمنية طويلة. ولكن الحرب أيضًا تسببت في أضرار للملاحة البحرية عبر باب المندب كما سبق بيانه في النقطة الأولى. ولا نبالغ في القول إذا ربطنا بين تحرك الولايات المتحدة البطيء للتصدي للحوثيين والضغط على طريق الحرير البحري الذي يؤثر سلبًا في مصالح الصين. ومن ثمّ، يبدو أن ثمة مصلحة مهمة بالنسبة لمصر في ألا يتأثر طريق الحرير البحري سلبًا بدون أن يعني ذلك انحياز مصر لطرف دون آخر في عملية التحول في النظام الدولي حتى بعد انضمام مصر لمنظمة البريكس. كما تجدر الإشارة في سياق متصل إلى ملف آخر في عملية التحول هذه، وهو ملف العلاقة المصرية الروسية؛ حيث تقاوم مصر ضغوطًا غربية لاتخاذ موقف أكثر حسمًا ضد روسيا لصالح أوكرانيا، ولكن حتى الآن استطاعت مصر المناورة بمهارة في هذا الملف، الذي تراجعت أهميته بشدة منذ عملية ٧ أكتوبر وما أعقبها من عدوان إسرائيلي على قطاع غزة.
تفاقم المخاطر على المحاور الاستراتيجية لمصر
يعد الملف الخاص بسد النهضة الإثيوبي من أبرز التحديات الآتية من المحور الاستراتيجي الجنوبي لمصر، والذي يشمل أيضًا تهديد الملاحة عبر باب المندب، فضلًا عن التهديدات غير المسبوقة التي تعصف باستقرار السودان وتسببت حتى الآن في نزوح حوالي 5.3 ملايين سوداني داخليًّا، إضافة إلى لجوء حوالي 1.3 مليون سوداني إلى دول الجوار، مما يفاقم من الضغوط الاقتصادية التي تتحملها تلك الدول، لا سيَّما مصر. وتدهورت الأحوال الاقتصادية للسودان، وفقدت عشرات المليارات من الدولارات بسبب دمار البنية التحتية إثر اتساع دائرة المواجهات التي طالت 60% من مساحة السودان، وتؤثر بشكل مباشر في 25 مليون نسمة من تعداد السكان البالغ 42 مليون نسمة. وجرت تطورات أخرى مقلقة منذ الأسبوع الثالث في شهر ديسمبر 2023، حيث تمددت قوات الدعم السريع بقوة لا تزيد على ألف مقاتل، وسيطرت على ولاية الجزيرة، هذا وتعد الجزيرة أهم ولاية سودانية بعد الخرطوم، ويتوسط موقعها المميز السودان، وتتميز بإنتاجها الزراعي والصناعي الوفير. وبينما كانت تصريحات «عبد الفتاح البرهان» رئيس المجلس السيادي السوداني تشير إلى تقدم الجيش السوداني في المواجهات، تراجع الموقف الميداني وأدى إلى موجة نزوح داخلي إلى الشرق، لا سيَّما إلى مدن مثل القضارف وكسلا التي تعد بوابات ولاية بور سودان، وهي الولاية التي يقع فيها مقر قيادة «البرهان» وكبار قادة الجيش السوداني. بمعنى آخر، استطاعت قوات الدعم السريع بقيادة «محمد حمدان دقلو» الشهير «بحميدتي» وبمساعدة شركة «فاجنر» الروسية تحويل مسار الحرب.
وفي تطور لافت للانتباه في سياق متصل، نجحت الوساطة التي تقوم بها منظمة «الهيئة الحكومية للتنمية (الإيجاد)» في موافقة الطرفين على عقد اجتماع بين «حميدتي» و«البرهان»، هذا ووافق «حميدتي» مبدئيًّا على اللقاء بشرط حضور «البرهان» كقائد للجيش وليس رئيسًا لمجلس السيادة السوداني. وأفادت التقارير أن «البرهان» وافق على عقد اللقاء، ولكنه اشترط تنفيذ بعض بنود إعلان المبادئ الموقع في جدة في مايو 2023 وأهمها إخلاء الأعيان المدنية ومساكن المواطنين. ولم يتم عقد اللقاء حتى كتابة هذه السطور، ومن ثمّ فإن الاحتمالات للمستقبل تتراوح بين سيطرة قوات «حميدتي» على السودان، أو تماسك الجيش السوداني وتحول الحرب مرة أخرى لصالحه، أو بقاء المعارك بين كرٍ وفر بين الطرفين، أو توقف القتال تدريجيًّا بدون غلبة لطرف على الآخر، كل هذه النتائج غير الإيجابية تفاقم من التحديات الإقليمية، وتهدد المشروعات الإقليمية التنموية الرائدة.
وفي ضوء ذلك، لا بد من استكمال البناء على نتائج منصة جدة، وفي سياق متصل، يبدو أن المحور الاستراتيجي الوحيد الهادئ نسبيًّا بالنسبة لمصر هو المحور الغربي، وذلك لعدة أسباب، أهمها أن التفاعلات السياسية الداخلية في ليبيا تدفع نحو تحقيق توصيات لجنة 6+6 الخاصة بتنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية لاختيار سلطة جديدة توحد البلاد، ويشهد هذا المنحى تأييدًا ورعاية من جانب الأمم المتحدة، وتساهم مصر بدور دبلوماسي نشط لتذليل العقبات أمامه في محاولة لعودة الاستقرار إلى ليبيا. هذا، وشهدت حركة التجارة بين البلدين زيادة الصادرات المصرية إلى مستوى 1.25 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من عام 2023 بارتفاع قدره 300 مليون دولار عن الفترة نفسها في عام 2022. ومن ثمّ، مع تحقيق مزيد من الاستقرار في ليبيا قد ترتفع حركة التجارة بين البلدين مما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المصري. كما تجدر الإشارة إلى الانفراج في العلاقات المصرية التركية والتي قد تنعكس إيجابًا على الملف الليبي خلال عام 2024.
وختامًا، يبدو أن حصول مصر على عضوية تجمع البريكس، يفتح المجال لحالة تقارب مصري إيراني، قد يغير الموازين في العديد من القضايا المطروحة في هذا التحليل. فمن ناحية قد يؤدي هذا التقارب إلى فرملة الحوثيين ومن ثمّ، ينعكس إيجابًا على حركة الملاحة في باب المندب، ومن ناحية ثانية، قد تصل الرسالة إلى تل أبيب وواشنطن بأن تداعيات عملية ٧ أكتوبر وما أعقبها من عدوان إسرائيلي على قطاع غزة قد تغير التوازن الاستراتيجي الإقليمي ضد مصالحهما. كما يفتح دخول مصر البريكس باب مصالح إضافيًّا بين القاهرة وموسكو، وقد يشهد عام 2024 مزيدًا من التقارب بين القاهرة وأنقرة بما ينعكس إيجابًا على استقرار ليبيا.