18/01/2020
لو حضرتك محامى مبتدئ ومش عارف تبدأ فين وازاى ؟
لو حضرتك محتار في اختيار مكان مكتبك ؟
لو حضرتك مش عارف تتعامل مع الموكلين او القضاه او لوحضرتك عايز تبقي محامي بجد محامي لنصرة المظلوم ورد الظالم ٠٠
يبقى لازم تقرأ هذا البوست ( او احتفظ بيه واقراه علي مهلك 😅)
ده تفريغ لمحاضره بعنوان : الخطوات الأولى في المحاماة
محاضرة لحضرة صاحب السعادة الأستاذ الجليل محمد نجيب الغرابلي باشا
نقيب المحامين الأهليين
في الساعة الخامسة من مساء يوم الخميس 21 ذي القعدة سنة 1349، 9 إبريل سنة 1931....
غصت القاعة الكبرى بمحكمة مصر الأهلية بباب الخلق بعدد كبير من حضرات المستشارين والقضاة والمحامين ورجال النيابة تلبيةً لدعوة نقابة المحامين الأهليين لافتتاح المحاضرات السنوية التي تلقى على المحامين الذين هم في دور التمرين وقد افتتح هذه المحاضرات حضرة صاحب السعادة الأستاذ الجليل (محمد الغرابلي باشا) نقيب المحامين الأهليين بخطبة بليغة دلت على شدة غيرته على المحاماة وعمله على ما فيه خير المحامين وسعادتهم ولفائدة هذه الخطة ونفاستها ننشرها هنا معجبين بها وبسعادة منشئها مقدرين فضله شاكرين ما يبذله من مجهود في سبيل نهضة المحاماة ورفع شأن المحامين.
حضرات السادة:
باسم الله أفتتح محاضراتنا في هذا العام لإخواننا المحامين تحت التمرين وأبدأ بشكر حضراتكم على تفضلكم بتلبية دعوة النقابة إلى احتفالنا المتواضع كما أني أعرب لحضراتكم عن سروري وسرور زملائي بتشريفكم لهذا الاجتماع لأنه ليس أحب إلى نفوسنا من أن يجتمع خدام العدالة على هذا النحو البسيط الخالي من الكلفة والتعقيدات الرسمية ليهبوا شيئًا من ثمرة تجاربهم على إخوانهم الناشئين في المحاماة فالمحامي الذي يجتاز دور التمرين بحاجة إلى أن يستنير، ليس فقط بتجاريب إخوانه الذين سبقوه في المحاماة، بل هو محتاج أيضًا إلى أن يسترشد بتجاريب إخوانه القضاة ورجال النيابة الذين وإن كانوا لا يمارسون مهنته إلا أنه تربطهم به رابطة الغرض المشترك وهو خدمة العدالة هذا فضلاً عن أن من القضاة من كانوا محامين ومن المحامين من كانوا قضاة وهؤلاء، وهؤلاء يستطيعون بفضل ما اكتسبوه من الخبرة والمران أن يسدوا إلى إخواننا المبتدئين خيرًا كثيرًا.
لذلك فإنه مما يزيد سروري وسرور حضرات زملائي أن نسمع في اجتماعاتنا الصغيرة هذه من وقت لآخر كلمة من رجال القضاء أو من رجال النيابة يدلون فيها بما يعن لهم من الأفكار لتوحيد جهود القضاء والنيابة والمحاماة كما أننا وقد اعتزمنا أن نقرن محاضراتنا بتمرينات عملية يقوم بها حضرات المحامين المبتدئين أنفسهم يتدربون بها على تحرير الأحكام والقيام بوظيفة النيابة العمومية إلى جانب تمرنهم على الدفاع ليلمس المحامي بالفعل حاجة القضاء وحاجة النيابة وحاجة المحاماة إلى التعاون الوثيق في خدمة العدالة، ونرجو أن لا يضن حضرات رجال القضاء والنيابة بأن يشاركوا حضرات المحامين في إبداء ما يعن لهم من الملاحظات على أعمال هذه المحاكم الإعدادية وهذه الطريقة قد سبقتنا إليها نقابة المحامين لدى المحاكم المختلطة فنحن إنما نحذو في ذلك حذو هؤلاء الزملاء المحترمين الذين سبقونا إلى هذا الإصلاح، ولعل نقابة المحامين لدى المحاكم الشرعية ترى من جانبها أيضًا الأخذ بهذه الطريقة فتكون النقابات الثلاث قد وحدت خطتها في إفادة حضرات المحامين تحت التمرين.
حضرات الزملاء المحترمين :
إن المحاماة هي دفع الأذى والإنسان مفطور بطبيعته على دفع الأذى عن نفسه ولكنه قد يعجز عن ذلك لأسباب شتى حينئذٍ تقضي المروءة على كل إنسان قادر أن يهب للدفاع عن ذلك العاجز.
فإذا قام شخص أو أشخاص بذلك الدفاع سقط هذا الفرض عن الباقين لأنه فرض كفاية ولما كان تزايد السكان واتساع العمران وكثرة المنشآت واختلاف صور المعاملات يقضي بتخصص بعض الرجال لدراسة الحقوق وطرق المطالبة بها والدفاع عنها كان طبيعيًا أن يلتجئ هؤلاء الضعفاء إلى من انقطعوا إلى دراسة الحقوق لأن نبل المرء ومروءته وشرف مقصده، كل ذلك لا يكفي لجعله مدافعًا حسن الدفاع بل لابد من أن يكون ملمًا بالحقوق التي يريد أن ينتصر لها عالمًا بأساليب المطالبة بها أو الذود عنها.
فالباعث إذن على احتراف مهنة المحاماة هي نزعة شريفة إلى الدفاع عن المظلومين وهذه النزعة الشريفة لا تؤتى ثمارها إلا بدراسة الحقوق وتطبيقها تطبيقًا صالحًا وكلا الأمرين لا غنى له عن الآخر.
فدراسة الحقوق لا تؤهل الإنسان للمحاماة إذا كان مجردًا من هذه النزعة الشريفة كما أن هذه النزعة الشريفة وحدها لا تجعل من الإنسان محاميًا إذا هو لم يدرس الحقوق علمًا وعملاً.
فالمحامي هو قبل كل شيء نصير المظلوم ثم هو بعد ذلك الرجل القانوني الذي يستطيع أن ينتصر لذلك المظلوم انتصارًا مفيدًا.
وعلى هذا الأساس يجب أن يفهم الناس وظيفة المحاماة فمن وجد في نفسه ميلاً فطريًا لنصرة المظلوم ومحاربة الباطل فليسلك سبيل المحاماة إذا أراد، ومن لا يحس في نفسه بهذا الميل الغريزي فإني أنصحه أن يبتعد عن المحاماة وأن يشق له في الحياة طريقًا آخر.
وإني أوجه القول إلى أولئك الذين يحفزهم حب الكسب إلى الاشتغال بالمحاماة فأقول لهم إنه من الخطر على العدالة أن يكون غرض الإنسان من الاشتغال بالمحاماة مجرد الكسب لأنه إذا أصبح هم المحامي الإثراء من هذه المهنة كان معنى ذلك أن المحاماة عنده وسيلة وأنتم تعلمون أيها السادة أن الوسيلة عرضة للتعديل والتحوير حتى تؤدي الغرض المقصود بالذات.
فالمحاماة إذن هي في أيدي طلاب المال عرضة للتعديل والتحوير بما يوافق هواهم ويحقق لهم مطالبهم المادية وقد تنتهي بهم الحال إلى أنك تنظر إلى المحاماة بين أيدي هؤلاء الطامعين فلا تكاد تعرفها لما طرأ عليها من التشويه بل أنها قد تنقلب في أيديهم إلى شيء آخر تنكره المحاماة نفسها هو تشجيع الظالمين وأكل أموال المظلومين.
ومتى كان جمع المال غاية فما أشقى المحاماة بهذه الغاية بل ما أشقى العدالة بمحاماة تكون وسيلة لجمع المال لأن كل وظيفة من وظائف العدالة تفسد وتنقلب إلى خطر محقق إذا كان صاحبها طالب عيش قبل كل شيء، إذ أن الوظيفة تكون في هذه الحالة مسخرة لخدمة الشخص وليس الشخص هو المسخر لخدمة الوظيفة فيا لها من جريمة شنيعة جريمة أولئك الذين يستخدمون وظائف العدل لإشباع بطونهم قبل أن يشبعوا العدالة نفسها.
ينظر حضرات المحامين المبتدئين إلى فترة التمرين نظرة غير مستحبة مصحوبة بشيء غير قليل من الضجر وعدم الاصطبار لأن حامل شهادة الحقوق المملوء حماسًا للمهنة يريد أن يبرز وحده لميدان العمل المستقل ويدلي من فوره بدلوه بين الدلاء ويضرب بسهم في هذا الميدان الشريف بلا مهل ويرى أن ارتباطه بمكتب محامِ يتمرن فيه يفقده لذة الاستقلال بالعمل الذي تصبو إليه نفسه.
كما أن المحامين الذي ألجأتهم الظروف إلى الاشتغال بالمحاماة يستعجلون الوقت الذي تكون لهم فيه مكاتب مستقلة يجدون فيها موارد للكسب.
والواقع أن مدة التمرين متى أحسن استعمالها هي خير وبركة على المحامي المبتدئ فهي لا تحرمه من استقلاله بالعمل إلى حد ما لأنه يمكنه أن يترافع باسمه أمام المحاكم الجزئية وفي الوقت نفسه توفر له معينًا ومرشدًا في خطواته الأولى يأمن بجانبه العثار الخطر ويفتح عينيه على كثير من الحقائق العلمية التي يحتاج إلى الإلمام بها قبل أن يتوسط ميدان العمل في المحاماة كما يجعله يتصل بأرباب القضايا اتصالاً نافعًا.
فمواظبته على العمل في المكتب الذي يتمرن فيه وعلى حضور جلسات المحاكم هي دراسة تطبيقية جليلة الفائدة.
والمحامي الذي يؤدي التمرين أداءً شكليًا يعرض نفسه لأذى كبير ويعمل على تأجيل إصلاح الخطأ الذي يتعرض له كل مبتدئ ثم تكون أخطاؤه بعد ذلك محسوبة عليه ولا يلبث أن يؤثر ذلك في عمله أدبيًا وماديًا وعندئذٍ يشعر بالندم ولكن بعد فوات الوقت على تفريطه في مدة التمرين.
وليس يعيب أن يخطئ المحامي المبتدئ لأن التعثر في الخطوات الأولى لا يدل على شيء من العجز بل هو طبيعي في كل بداية ولكن متى انقضت الفترة المعقولة لذلك فعندئذٍ يكون تغيره دليلاً في الغالب على نقص في استعداده ومن شأن ذلك أن يضعف الثقة به والثقة هي رأس مال المحامي.
فلنقبل إذن على التمرن على أعمال المحاماة في المدة المقررة للتمرين بانشراح ولنفرح كلما عبرنا لأن هذا يدل على أننا نتقدم وأننا كنا بحاجة إلى هذا التمرين لنتحاشى مثل هذا العثار في المستقبل.
ولا شك أن من بين حضرات المحامين من أوشك أن يتم مدة التمرين وهؤلاء وقد أصبحوا على قيد خطوات من باب الخروج تتزاحم عليه خواطر النفس: هل يقيمون في مصر أو في الإسكندرية أو في عاصمة أخرى من عواصم الأقاليم.
وكأني بمباهج العواصم تجذبهم إليها ليمتعوا أنفسهم بعد عناء الدرس وفترة التمرين بحياة ناعمة مرحة يجلو صدأ هذه السنين الطوال التي قضوها عاكفين على الدرس والتحصيل ويعانون من مضض الامتحانات وغير الامتحانات ما يجعلهم بحاجة إلى نسيم هذه العواصم الكبيرة أليسوا بحاجة إلى أن يتنسموا نسيم السعادة قبل ضياع الفرصة وذبول العمر... لا شك أنهم معذورون.
ولكن هل صحيح أن هذا هو طريق السعادة التي يرجونها لأنفسهم، إني أشك في ذلك كثيرًا بل إذا كانت لاختباراتي الضئيلة قيمة فإنني أرى أن الغاية التي يسعون إليها لا يحققها أن يبدأوا عملهم في القاهرة ولا في الإسكندرية ولا في تلك العواصم الكبيرة التي ترنو إليها أبصارهم الآن فهناك المزاحمة شديدة والجو يكاد يختنق بأنفاس المحامين المقيمين في تلك العواصم، وبسبب ذلك يحتاج المحامي المبتدئ إلى زمن أطول لإبراز مواهبه وسط هذا الضجيج.
وسيجد صعوبة في أن يشق له طريقًا في وسط هؤلاء جميعًا بالسرعة التي يحلم بها وأخشى أن يؤثر ذلك في نفسيته فينقلب ساخطًا على المحاماة لأنه لم يجد قطوفها دانية بقدر ما كان يتصور وإذا سخط الإنسان على العمل فيا لبؤسه وطول شقائه.
فكيفية الابتداء لها أثر كبير في سير العمل نفسه ولقد عرفت زملاء لي في الدراسة كان لهم من الاستعداد للمحاماة ما يغبطون عليه فلما ابتدأوا بداية غير موفقة لم ينجحوا في المحاماة واضطروا إلى أن يلوذوا بوظائف الحكومة بينما نجح غيرهم من أحسنوا الابتداء نجاحًا فوق المنتظر.
وكان السبب في عدم توفيق أولئك هو أنهم بدأوا العمل في العواصم الكبيرة فلم تهيأ لهم الفرصة لإبراز مواهبهم فانطفأت في نفوسهم شعلة التحمس للمحاماة ثم لم يلبثوا أن انقلبوا ساخطين عليها وسعوا للتخلص منها.
وأحسن بداية في رأيي يبدأ المحامي بها عمله بعد إتمام مدة التمرين هي أن يتخذ إقامته في مقر محكمة جزئية فلن يجد هناك سوى عدد قليل من المحامين المقيمين فعلاً ولا يخفي أن أرباب القضايا يفرحون بالمحامي المقيم ويفضلونه على غيره ممن لا يرون وجوههم إلا يوم الجلسة ولا يجدون الوقت الكافي لبسط معلوماتهم إليهم بسطًا شافيًا.
والمحامي المقيم في مقر المحكمة هو كالطبيب المقيم في المستشفى فمكتب المحامي يعالج الحقوق كما أن المستشفى يعالج الأمراض ومتى كان المحامي مقيمًا سهل اتصال أرباب القضايا به واستفتاؤهم له في شؤونهم القضائية، وبهذا الاتصال الجدي المباشر في العمل يلمسون ما يكون في المحامي من المزايا وحينئذٍ تؤتى هذه المزايا ثمارها الطبية المباركة بدون توانٍ ثم تأخذ في النمو والزيادة شيئًا فشيئًا كلما طالت مدة إقامته وبذلك يشعر المحامي بلذة الثقة ولذة العمل ولذة الكسب.
وليست هذه كل مزايا هذا الابتداء بل أن له مزايا مهمة أخرى:
أولاً: رخص تكاليف الحياة عنها في العواصم الكبيرة وسهولة إيجاد الموازنة بين إيرادات المحامي المبتدئ ومصروفاته.
ثانيًا: المركز الأدبي الممتاز الذي يشعر به المحامي في الجهة التي يقيم فيها.
ثالثًا: ما يستفيده أهل البلد الذي يقيم فيه المحامي من اشتراكه في رفع مستوى الوسط الذي يعيش فيه باعتباره رجلاً مهذبًا مثقفًا.
رابعًا: إشعار الناس بحقيقة المحاماة والفرق بينها وبين تلك الصناعة الزائفة التي تنكرها المحاماة.
ولا يتسرب إلى الذهن أنني أشير على المحامين المبتدئين بأن يجعلوا محل إقامتهم في الجزئيات باستمرار، كلا بل هذه هي الخطوة الأولى فإذا ما شعر المحامي من نفسه القدرة على أن يخطو خطوة أوسع فيكون قد مهد لها بهذه الخطوة الأولى حتى لا تزل قدمه في الخطوة الثانية، بل إنه قد يكون لمصلحته ولمصلحة المهنة أن يخطو عندئذٍ هذه الخطوة الثانية وينقل مكتبه إلى مقر محكمة كلية ليخلو مكانه إلى مبتدئ آخر ليضم كفاءته إلى الكفاءات الأخرى بعد أن يكون قادرًا على المزاحمة الشريفة التي هي في مصلحة العدالة، تلك المزاحمة التي تقتصر على العمل الصالح المنتج حتى إذا رسخت قدمه في المحاماة نهائيًا أمكنه متى أراد أن يقيم في البلد الذي يحبه فقد ينتهي به المطاف إلى القاهرة ولكنه يضع قدمه فيها حينئذٍ وهو مستعد للكفاح ومنازلة الأقران من كبار المحامين في ميدان الخدمة الثانية للعدالة المقدسة من دون أن تضايقه مطالب الحياة.
وهكذا يمكن لمن يبتدئ عمله أمام محكمة جزئية أن ينتهي بالإقامة في القاهرة إن شاء وأن يتمتع بمباهج العاصمة وأوساطها الراقية كما يريد، وهو قادر على ذلك مالك لناصية العمل، هذا إذا لم تزهده لذة العمل ولذة الكسب في تغيير الإقامة.
ولا شك أن ذلك أفضل من أن يبتدئ في العاصمة مثلاً ثم تلجئه الحال بعد ذلك إلى أن يقيم في مقر إحدى الجزئيات ساخطًا متبرمًا ويأتي بعد اختيار محل الإقامة اختيار الكتبة.
سيجد المحامون الذين ينزلون إلى مقر الجزئيات فوجًا من الكتبة يتزاحمون عليهم للاشتغال معهم لأن هؤلاء الكتبة يفضلون المحامي المقيم على سواه إذ أنهم أدركوا بالاختبار أن مكتب المحامي المقيم يكون أكثر احترامًا وأكثر دخلاً وبالتالي أقدر على دفع المرتبات الطيبة للمستخدمين فليفتح المحامي عينيه جيدًا عنه اختيار كتبته وليقع اختياره على المعروفين بالأمانة والكفاءة منهم لأن أرباب القضايا يجب أن يشعروا بأن مستنداتهم وأسرارهم ليست عرضة للتلاعب والإفشاء بفعل كاتب مشكوك في أمانته.
ولن تفيد أمانة المحامي إذا كان الكاتب موضع ريبة في نفس أرباب القضايا.
ومتى أحسن المحامي الانتفاع بمدة التمرين ووفق إلى اختيار محل الإقامة الملائم واستخدم في مكتب عمالاً أمناء لم يبقِ عليه إلا أن يسير على بركة الله في عمله بخطى متئدة مطمئنة وهو مملوء ثقة بالمستقبل.
ولما كان رأس مال المحامي - كما قدمنا - هو الثقة فإن لسلوكه الشخصي تأثيرًا كبيرًا على عمله ومن الفضول أن نبين لحضراتكم أن المحامي هو أولى الناس بالتحلي بمكارم الأخلاق فإذا كان التحلي بمكارم الأخلاق واجبًا على كل إنسان فهو على المحامي أو جب وله ألزم.
رأيت بعض المحامين افتتحوا عملهم بضجة هائلة واشتغلوا وكسبوا ثم لم يلبثوا أن عرفوا فتركوا واندثروا.
ورأيت محامين افتتحوا عملهم برزانة ثم لم يلبثوا أن عرفوا ففازوا وأكرموا وكان العامل المهم في الحين هو السلوك الشخصي.
وهكذا الكفاءات تطغى عليها الأخلاق السيئة فتقتلها أو تشرق عليها الأخلاق المرضية فتكسبها لألاء وسناء.
فعلينا إذن أن نتواصى بمكارم الأخلاق لنكون محامين صالحين جديرين بشرف مهنتنا فلا نشوه كفاءتنا ولا تزعزع الثقة بنا فيضيع مستقبلنا.
ولا تقبل كرامة المحامي مثل الإعلان عن نفسه فإنه استجداء للثقة وعنوان على العجز، والثقة تُمنح لا تُطلب والعمل الطيب يفوح شذاه ويتضوع عبيره، والمحاماة نجدة ودفاع لا سلعة تعرض في الأسواق لتباع.
ومن أكبر الكبائر في المحاماة أن يقبل المحامي القضية عن يد وسيط يشترك معه في قليل أو كثير من أتعابه وعلى من ابتلي بهذا الداء أن يتصور أنه يعيش على السمسرة لا على الثقة وأنه يعمل في كنف السماسرة لا في ظل المحاماة.
فإذا سعى صاحب القضية إلى المحامي فليفسح المحامي صدره لسماع أقواله بغير ملل ولا ضجر وقد يرافق صاحب القضية أحيانًا قريبه أو صديقه ليقوم مقامه في إبداء معلوماته للمحامي فيجب على المحامي أن يترك صاحب القضية نفسه يتكلم ليرسل الكلام على سجيته بدون تصنع ومن غير لفٍ ولا دوران فإن ذلك أدنى أن لا يغش المحامي في تقدير مركز طالب التوكيل وليعني عناية تامة بالوقوف, على الوقائع الصحيحة للدعوى، وليكن في ذلك مدققًا كل التدقيق لأن الوقوف على الوقائع الصحيحة يمكنه من إعطاء الرأي الصحيح.
فإن تبين أن صاحب القضية ليس على حق فيما يدعيه فعليه أن يصارحه بذلك مبينًا له وجه الضرر من استرساله في الخصومة وما يجره على ذلك من خسارة الدعوى خسارة المال ومرارة الحكم ومؤونة الباطل.
فإذا فاز بإقناع المبطل بالارتداد عن باطله فقد غنم أولاً راحة ضميره لأنه أنهى خصومة بين طريفين وغنم ثانيًا ثقة صاحب القضية الذي اقتنع ببطلان خصومته فارتد وهو يحمد الله على توفير الكرامة والمال وغنم ثالثًا حسن الأحدوثة حين يعرف الناس له ذلك وأنه طالب حق لا طالب مادة.
ورب قضية رفض المحامي قبولها كانت سببًا في عدة قضايا يسند إليه فيما بعد مباشرتها فليتدبر ذلك حضرات المحامين المبتدئين وليعلموا أنهم لن يخسروا أتعاب القضية التي يرفضون قبولها بحق وأنهم بالعكس سيكسبون بهذا الرفض النزيه أضعافه.
وقد تكون قيمة الدعوى مغرية وقد تكون أتعابها إذا قبلها المحامي ضخمة وقد يكون المحامي حين يرفضها في ضيقٍ من المال لظرف من الظروف، فليحذر المحامي أن يكون لهذه الأمور تأثيرًا على رأيه لأنه إذا قبل قضية خاسرة تحت تأثير هذه الاعتبارات فهو إذن مخادع.
إن كثيرًا من المنازعات يمكن تسويتها صلحًا بين المتخاصمين غير أن العناد أو الطمع قد يحمل أحد الطرفين على الالتجاء إلى المحاكم فإذا ما أيقن هذا المعاند أو هذا الطامع بأنه لن يبوء من القضية إلا بالفشل وأنه سيخسر الدعوى ويخسر إلى جانبها الأتعاب التي يدفعها للمحامي ومصاريف الدعوى وأتعاب محامي الخصم التي تقدرها المحكمة وأنه فوق ذلك سيخسر الصلح المعروض عليه أو الذي يمكنه الحصول عليه وديًا فقد يعيده ذلك إلى صوابه ويسعى إلى التفاهم مع خصمه بطريقة ودية ويكون الفضل في ذلك للمحامي الشريف الذي أخلص النصيحة وحسم الشر ووفر على المتقاضين الإنفاق على الخصومة والاسترسال في المنازعات.
فعلى المحامين أن يكونوا في هذه الحالة مصابيح للتنبيه إلى الخطر لا مزالق لسقوط الموكلين في الهاوية.
أما إذا اطمأن المحامي أن صاحب القضية على حق فليأخذ بيده في ضوء الحقيقة إلى ساحة العدل وليقف بجانبه منتصرًا لحقه مناضلاً عنه بكل مقدرته.
بذلك يكون العمل شريفًا لذيذًا مباركًا وليكن مقابل أتعاب المحامي هو آخر ما يفكر فيه بعد تفهم وقائع الدعوى من موكله واستقرار رأيه على قبول التوكيل عندئذٍ يكون في مركز يسمح له أن يحدد مقابل أتعابه مراعيًا مقدار المجهودات التي يبذلها وقيمة الدعوى وحال الموكل.
وليجتنب المحامي المبالغة في تقدير مقابل أتعابه ولتكن هناك موازنة عادلة بين ما يعطى وما يأخذ فكل ما يأخذه المحامي من الأتعاب زائدًا عن قيمة المجهودات التي يبذلها لا يكون إلا عن وهم أو تبرع من الموكل ومحرم على المحامي أن يستفيد من طريق الوهم كما أن كرامته تأبى عليه أن يأكل من تبرعات الناس وتقضي عليه أن يكون في مركز المتكرم المتفضل فإذا ساغ للموكل أن يطمع في مجهودات المحامي فلا يسوغ للمحامي أن يطمع في مال الموكل.
وليعتبر المحامي مقدم الأتعاب وديعة في ذمته للموكل لا يستحله إلا بالعمل فلا يكون مثله مثل الذين يفقدون شهية العمل بعد أن يذوقوا لذة القبض والمحامون جميعًا هم وكلاء عن صاحب كل حق معسر لا يجد ما ينفقه في أتعاب المحاماة فليجد الفقراء في مكاتب المحامين مكانًا يسع للمطالبة لهم بحقهم من غير مقابل، وليجعلوا ذلك زكاة عن عملهم وتطهيرًا لما قد يرتكبونه من الخطأ غير عامدين أثناء قيامهم بواجباتهم.
ومن حق المحامي بل من واجبه ألا يقبل جزاء على أتعابه يجرح عزة المحاماة.
أما أولئك الذين يقبلون أتعابًا تزري بكرامتهم وكرامة مهنتهم فإنهم يجنون على أنفسهم وعلى زملائهم معًا.
وعلى المحامي متى قبل القضية أن يبدأ فورًا بتحضيرها في مكتبه فيدون وقائعها ويرسم خطة الدفاع فيها ويستوفي المستندات التي تؤيد هذا الدفاع ويشرع في البحوث القانونية التي تساعده على تدعيم مركزه في الخصومة أن اقتضى الحال ذلك.
وليعلم أن أوقاته قد تعلق بها حق موكليه جميعًا فإذا كانت القضايا الموجودة بمكتبه كافيةً لأن تشغل جميع أوقاته فلا يسوغ له بحال أن يقبل قضايا جديدة لا يتسع لها وقته لأنه إما أن يهملها وإما أن يأخذ لها من الوقت اللازم للعناية بالقضايا التي ارتبط بها فعلاً قبل ذلك وفي كلا الأمرين إخلال بواجبه نحو موكليه.
وليس المحامي البارع هو الذي يزدحم مكتبه بملفات القضايا بل إن المحامي البارع هو الذي لا يوجد في مكتبه سوى قضايا محضرة ومعنيًا بها.
وليفسح المحامي صدره لصاحب القضية كلما أراد أن يدلي إليه بشيء جديد في موضوع الدعوى لأنه صاحب حاجة ولرب كلمة يقولها أو واقعة يسردها تفيد المحامي في دفاعه فائدة غير منتظرة وليجعل المحامي اتصال الموكل به شخصيًا في كل ما يتعلق بموضوع الدعوى فلا يكله في شيء من ذلك إلى الكاتب لأن الكاتب لا يمكنه أن يستقصى الوقائع بالدقة الواجبة كما يفعل المحامي ولا يستطيع تقدير هذه الوقائع وتأثيرها في سير الدعوى كما تعود المحامي.
مع مراعاة أن يكون عادلاً في توزيع أوقاته على موكليه بدون تفريط ولا إفراط.
وينبغي للمحامي أن يعمل على كسب ثقة المحكمة به فلا يترافع في قضية إلا بعد أن يلم بموضوعها تمام الإلمام وبعد أن يستجمع نقط الدفاع فيها ويركزها تركيزًا يصون مرافعته عن الشطط والحشو والتكرار وأن يعبر عن أفكاره بعبارة بسيطة واضحة دقيقة منزهًا آرائه عن سماجة المكابرة ومنزهًا لسانه عن تلويث المهاترة، مراعيًا حرمة القضاء وكرامة المحاماة.
وعليه أن يكون للقاضي مساعدًا ومعينًا على إنجاز العمل وتعرف وجه الحق وإصدار حكمه بالعدل وأن يشعره بالفعل أنه ينتصر لمظلوم ويعمل لاستخلاص حق مهضوم فإن ذلك أدنى إلى استرعاء سمع المحكمة واهتمامها بأقواله واحترامها لآرائه مهما كان رأيها مخالفًا.
وليس كسب ثقة المحكمة بأن يتسأهل المحامي في التمسك بحقه وحق موكله بل إن هذا التمسك واجب لا محيص له عنه فالمحامي الذي يعتذر بأن المحكمة لم تثبت أقواله في محضر الجلسة مثلا: مسؤول عن هذا الإغفال إذ هو لم يلح الإلحاح كله في تدوين أقواله في محضر الجلسة لأن واجب الكاتب أن يثبت أقوال الخصوم خصوصًا وما يرون أنه من أسس دفاعهم وعلى المحامي أن يتثبت من تدوين كل ما يعتبره أساسيًا في دفاعه وليوجه المحامي خطابه في ذلك أولاً إلى القاضي باعتباره المدير للجلسة فإن عارض القاضي فليوجه خطابه للكاتب باعتباره مسؤولاً عن تحرير محضر الجلسة وعليه أن يلح في ذلك بكل أنواع الإلحاح فإذا أصر الكاتب على عدم إثبات ما يطلبه المحامي بادر المحامي فورًا بتقديم طلبه هذا كتابةً أو علانيةً إلى كاتب الجلسة ثم يرفع شكواه بعد ذلك إلى جهة الاختصاص.
وليكن رد المحامي على الخصم زعزعةً لا جعجعةً وإفحامًا لا التحامًا, وإقناعًا لا صراعًا.
وليجتنب التأجيلات التي لا مبرر لها والطلبات الشكلية والدفوع الفرعية التي لا تدنيه من الحق ولا تحميه من الباطل فإن ذلك مضيعةً للوقت وإملال للعدل وإطالة للخصومة وتعطيل لسير العدالة.
كذلك يجب ألا يفوت المحامي أن محكمة النقض هي محكمة قانون لا محكمة موضوع وأن المبادئ الهادئ الهامة التي تقررها هذه المحكمة العليا أولى بأن تشغل جميع أوقاتها بدلاً من تبديد مجهوداتها في بحث أوجه نقض غير جدية.
وليحافظ المحامي على كرامة زملائه وليجتنب تحميلهم المغارم بحجة الغيرة على حقوق موكليه فلا يطلب إبطال المرافعة مثلاً في قضية يعلم أن الخصم وكل فيها محاميًا لأن الغائب في هذه الحالة هو المحامي لا الخصم وليس من حق المحامي الحاضر أن يتولى بنفسه تأديب زميله الغائب بتعريضه لخسارة ربما كانت فادحة لا تحتملها كل ثروته في حين لا يخسر الخصم شيئًا متى كان المحامي مليئًا مع أن هناك طريقًا خاصًا لتأديب المحامي بسبب إهماله.
وليعمل المحامي أيضًا على كسب ثقة زملائه بأن يحسن الاستماع إليهم وينزه لسانه عن العيب فيهم أو استفزازهم وليعلم أن كرامته من كرامتهم وعزته من عزتهم.
ويترفع المحامون من تلقاء أنفسهم عن مخالفة واجباتهم سرًا وعلانيةً فإن ذلك أولى بهم وأليق بكرامتهم.
وإذا قضيتم مدة التمرين فإياكم والمكاتب الفرعية فإنها تعرض عملكم للفساد وتعرض عيشكم للكساد لأنها تدار بمعرفة كتبة يقبلون فيها قضايا لم تسمعوا أربابها ولم تعرفوا قبل الارتباط بها حلالها من حرامها.
إياكم وهذه الحوانيت فإنها مقابر المحامين وبلاء المتقاضين تُنتهك في كثير منها حرمات الحق وتدبر المؤامرات على العدل لأنها ليست تحت إشراف المحامين الفعلي ليصونوها عن هذه المفاسد ويحاربوا فيها وقوع هذه الجرائم ولها فوق ذلك أسوأ الأثر في تقدير أتعاب المحامين حتى ضج أكثر المحامين بالشكوى منها وتحمسوا لإعلان الحرب عليها وهي نتيجة طبيعية لشعورهم بكرامتهم واهتمامهم لوضع حد لهذا الاعتداء الصارخ على شرف مهنتهم.
ولي وطيد الأمل في أن يتعاون حضرات المحامين مع نقابتهم على استئصال هذا الداء وتطهير جو المحاماة من هذا الوباء وأنه لا يمضي مدة طويلة حتى تكون جميع المكاتب سعيدة باستقرار حضرات المحامين فيها حتى إذا ما سعى إليها أرباب القضايا وجدوا أمامهم الهداة المرشدين وخدام العدالة الصادقين.
ولا شك عندي في أن ذلك من شأنه أن يوزع العمل على مكاتب المحامين توزيعًا طبيعيًا عادلاً في مصلحة العدالة وفي مصلحة أرباب القضايا وفي مصلحة المحامين أنفسهم فتتخلص العدالة من المنتجات الرديئة التي تنتجها المكاتب الفرعية ويتصل أرباب القضايا بالمحامين رأسًا في كل ما يتعلق بالعمل الفني الذي يهمهم ويرتفع مقابل أتعاب المحامي إلى الحد الذي يكافئ مجهوده ويليق به.
فمتى تعاون حضرات زملائي المحامين على تنفيذ هذه الخطة في وقت واحد جاءت النتيجة وفق مصلحتهم جميعًا.
هذه أيها السادة هي الكلمات التي رأيت أن أدلي بها الآن لإخواني المحامين المبتدئين متمنيًا لهم كل توفيق راجيًا لهم من الله سبحانه وتعالى كل سعادة.
وإني أكرر لحضراتكم شكر زملائي وشكري ولا يسعني ألا أن أختم محاضرتي بتلك الكلمات الخالدة التي قالها أبو المحامين:
(يعجبني الصدق في القول والإخلاص في العمل وأن تقوم المحبة بين الناس مقام القانون).