05/08/2026
⚖️ **القضاء والمحاماة.. خصومة يتوهمها البعض وشراكة تحمي العدالة**
من أكثر الأفكار الخاطئة انتشارًا في الوسط القانوني وبين المتقاضين القول إن القضاة لا يحبون المحامين أو إن المحامين ينظرون إلى القضاة باعتبارهم خصومًا لهم وهي صورة مشوهة لا تعبر عن حقيقة العلاقة بين مؤسستين عريقتين جمع بينهما التاريخ ووحدتهما رسالة العدالة وحمى ارتباطهما الدستور ونظمه القانون
فالعلاقة بين القاضي والمحامي ليست علاقة خصومة ولا تنازع على المكانة أو النفوذ وإنما هي علاقة تكامل بين جناحين لا تستقيم العدالة بأحدهما دون الآخر فالقاضي هو الأمين على ميزان العدالة وصاحب الولاية في الفصل في الخصومة والمحامي هو حامل أمانة الدفاع والكاشف عن أوجه الحق في النزاع وبين منصة القضاء ومحراب المحاماة تتكون المحاكمة العادلة التي لا تقوم بمجرد صدور حكم وإنما تقوم بقاض مستقل يسمع ويمحص وبمحام حر يعرض ويدافع وبخصومة تتكافأ فيها الفرص وتصان خلالها الحقوق والضمانات
📜 وقد حسم الدستور المصري حقيقة هذه العلاقة فلم يضع المحاماة خارج منظومة العدالة ولم يجعل المحامي تابعًا للمحكمة أو مجرد وكيل خاص عن أحد الخصوم وإنما نص في المادة 94 على أن سيادة القانون أساس الحكم في الدولة وأن استقلال القضاء وحصانته وحيدته ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات كما قرر في المادة 98 أن حق الدفاع أصالة أو بالوكالة مكفول وأن استقلال المحاماة وحماية حقوقها ضمان لكفالة حق الدفاع ثم جاء النص الصريح في المادة 198 ليقرر أن المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وسيادة القانون وكفالة حق الدفاع وأن المحامي يمارس أعمال مهنته مستقلًا ويتمتع أثناء تأديتها بالضمانات والحماية التي يقررها القانون
ومؤدى ذلك أن الدستور أقام العلاقة بين القضاء والمحاماة على الشراكة في الغاية والرسالة مع استقلال كل منهما في أداء دوره فالقاضي وحده يملك سلطة الحكم والفصل والمحامي وحده يحمل أمانة الدفاع وكلاهما يقف في موضعه لا لينتقص من الآخر وإنما ليكمله ويعينه على الوصول إلى الحقيقة وإنزال صحيح القانون عليها
🏛️ وهذه العلاقة ليست وليدة النصوص الدستورية الحديثة وإنما تضرب بجذورها في أعماق التاريخ القانوني المصري فمنذ نشأة القضاء الوطني الحديث وتأسيس نقابة المحامين المصرية سنة 1912 ارتبطت المحاماة بالقضاء والتشريع والحياة العامة ارتباطًا وثيقًا وخرج من ساحاتها قضاة ووزراء ومشرعون وفقهاء ورجال دولة وأسهم كبار المحامين في صياغة الدساتير والقوانين وبناء المؤسسات الوطنية كما ترك كبار القضاة تراثًا فقهيًا وقضائيًا أصبح زادًا للمحامين في مرافعاتهم ومذكراتهم
بل إن قانون السلطة القضائية ذاته مد جسورًا مباشرة بين المحاماة والقضاء حين أجاز تعيين المحامين المستوفين للشروط في الوظائف القضائية بمختلف درجاتها وقرر نسبًا لتعيينهم في بعض الوظائف وهو ما يؤكد أن المشرع ينظر إلى الخبرة المتراكمة في ساحات الدفاع باعتبارها أحد المنابع الطبيعية التي يمكن أن يرفد بها القضاء وأن اختلاف الموقع لا يلغي وحدة التكوين القانوني ولا وحدة الرسالة
🛡️ كما أحاط القانون رسالة المحامي بضمانات خاصة أثناء مباشرته لحق الدفاع لا باعتبارها امتيازًا شخصيًا له وإنما حماية للمتقاضي وضمانًا للمحاكمة العادلة فنظم كيفية التعامل مع ما قد يقع من المحامي أثناء الجلسة ومنع أن تتحول سلطة ضبطها إلى خصومة شخصية بين المحكمة والدفاع كما قرر ضمانات تتعلق بما يصدر عن المحامي من أقوال أو كتابات أثناء أو بسبب أداء مهنته وهذه الضمانات لا تبيح التجاوز ولا ترفع المحامي فوق القانون وإنما تفصل بين سلطة الفصل في الخصومة وسلطة الاتهام والمساءلة وتحمي استقلال الدفاع ووقار القضاء في آن واحد
ومع ذلك فلا يجوز إنكار أن الواقع العملي يشهد أحيانًا صورًا من التوتر أو سوء الفهم داخل بعض المحاكم غير أن هذه الوقائع لا تعبر عن أصل العلاقة ولا يجوز تعميمها على القضاء أو المحاماة فالقاضي يعمل تحت ضغط تكدس القضايا وضيق الوقت وكثرة الخصومات ويكون مطالبًا بضبط الجلسة وإنجاز العمل بينما يكون المحامي ملتزمًا أمام موكله بعرض دفاعه كاملًا وتقديم مستنداته وإثبات طلباته والتمسك بكل ضمانة يرى أنها لازمة لحماية الحق
وقد يرى القاضي في طلب معين إطالة لسير الجلسة بينما يراه المحامي ضرورة جوهرية لصون حق الدفاع ومن اختلاف زاوية النظر إلى الإجراء ذاته قد ينشأ احتكاك عابر لا يرجع إلى كراهية شخصية وإنما إلى اختلاف طبيعة المسؤولية التي يتحملها كل طرف
كذلك قد تصدر تصرفات فردية خاطئة من بعض المنتسبين إلى أي من المؤسستين فقد يرفع محام صوته أو يكرر الطلبات بلا مقتضى أو يحضر غير ملم بملفه وقد يصدر من قاض أو موظف ما يحمل تعاليًا أو تضييقًا أو انتقاصًا من كرامة الدفاع غير أن هذه الصور تظل انحرافًا عن الأصل ولا يصح اتخاذها أساسًا للطعن في مؤسسة القضاء أو النيل من مكانة المحاماة
🤝 فالقاضي الذي يحترم حق الدفاع يعلي من قدر منصته والمحامي الذي يحفظ للمحكمة هيبتها يعلي من قدر مهنته واحترام المحامي للقاضي لا يعني خضوعه له كما أن احترام القاضي للمحامي لا يعني تنازله عن سلطة إدارة الجلسة وإنما كلا الاحترامين التزام بالقانون وبحدود الرسالة
المحامي الحقيقي لا يفرض احترامه برفع الصوت أو افتعال الصدام وإنما يفرضه بعلمه واستعداده ودقة عرضه وحسن اختياره للعبارات وقوة حجته وتحديد طلباته كما أن القاضي الواثق من علمه ومنصته لا يضيق بدفاع جاد أو مرافعة قوية لأنه يدرك أن المحامي المتمكن لا يعطل العدالة وإنما يعين المحكمة على الوصول إليها ويكشف لها ما قد يخفى بين ثنايا الأوراق ويحصن الحكم من الخطأ والقصور
ومن الخطأ الفادح تصوير العلاقة بين القضاء والمحاماة باعتبارها صراعًا على السلطة أو المكانة فلا المحامي ينازع القاضي ولايته في الفصل ولا القاضي يملك أن ينتقص من رسالة المحامي في الدفاع ومكانة كل منهما لا تقوم على إضعاف الآخر بل تزداد به فكلما قوي القضاء المستقل ازدهرت المحاماة الحرة وكلما قويت المحاماة الواعية ازدادت الخصومة انضباطًا والأحكام إحاطة بأوجه النزاع
إن معالجة أي توتر عارض لا تكون بإشعال الخلاف أو تبادل الاتهامات أو تعميم الأخطاء وإنما بترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل وتفعيل ضمانات المحاماة وتحسين بيئة العمل داخل المحاكم وتخفيف التكدس وفتح قنوات دائمة بين الجهات القضائية ونقابة المحامين لمعالجة أي تجاوز فردي بالحكمة والقانون
⚖️ وسيظل القضاء والمحاماة في مصر مدرستين عريقتين تجمعهما وحدة الهدف ووحدة الرسالة ويشهد تاريخهما بأنهما لم يكونا يومًا خصمين وإنما شريكين في إقامة صرح العدالة وحماية الحقوق والحريات
فلا عدالة بغير قاض مستقل ولا محاكمة عادلة بغير دفاع حر ولا دولة قانون بغير قضاء شامخ ومحاماة قوية واعية مصونة الكرامة 🇪🇬