05/08/2026
1. أقلمة الترجمة
نضيف إلى هذه التقنيات التقليدية تقنية أقلمة الترجمة التي نواجهها كثيرًا عند الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية. ونقصد بـ "أقلمة الترجمة" ههنا: توطين (1) الترجمة ليس وفقًا للنظام القانوني لدولة عربية ما فحسب، بل أيضًا وفقًا للمعايير اللغوية والاصطلاحية السائدة في تلك الدولة. وينطبق ذلك أيضا عند الترجمة إلى لغة لها انتشار واسع كالعربية والإنكليزية والفرنسية، ويكون فيها أكثر من نظام قانوني واحد واصطلاح لغوي واحد خصوصًا فيما يتعلق بالمصطلحات المحلية (regionalisms) التي تكتسب في دولة ما معاني لا تكتسبها تلك المصطلحات في دولة أخرى مما يؤدي إلى نشوء فروقات مصطلحية. (2) ويجب على المترجم أن يراعي ذلك قدر الإمكان. نقول قدر الإمكان لأن معرفة الأنظمة القانونية المختلفة والفروقات المصطلحية الناتجة عنها في ظل غياب معجم يجردها من جهة، والاصطلاحات اللغوية المحلية المختلفة من جهة أخرى، يحتاج إلى سنوات كثيرة من الترجمة والتدريب والخبرة. ونمثل على ذلك بمصطلح Code في الفرنسية أو lawbook في الإنكليزية. ففي النظام القانوني المغربي يقابل هذا المصطلحين الإنكليزي والفرنسي "مدونة" (وفي الآونة الأخيرة: "قانون" أيضًا)، وفي النظام القانوني التونسي "مجلة"، وفي النظام القانوني المصري "قانون"، وفي سورية ولبنان "أصول" و"قانون" أيضًا. وعلى الرغم من أن المغاربة لن يجدوا أية مشكلة في فهم "قانون العمل" بدلاً من تسمية "مدونة الشغل" التي يستعملونها هم، فإن استعمال المترجم الذي يترجم نصًا قانونيًا لاستعماله في المغرب التسمية المغربية ("مدونة الشغل") أدق من الناحية العلمية وأكيس من الناحية الجمالية. وبينما لا يجد المترجم العربي أية صعوبة في فهم معنى "مدونة" لأن هذه كلمة تراثية مشهورة في الفقه لأنها عنوان كتاب فقهي شهير هو "المدونة الكبرى" لسحنون القيرواني (776-854)، فإن "مجلة" و"أصول" قد تستعجمان على حذاق التراجمة لأن معناهما البدهي لا يذكر بالكتب القانونية على الإطلاق.
ومثل ذلك طريقة إثبات الأسماء العربية في الإدارات العربية المختلفة. فالنظام الإداري المغربي يثبت الاسم الشخصي والاسم العائلي فقط. أما اسم الأب فيذكر على حدة. أما النظام الإداري العراقي فيثبت ما يعرف فيه بالاسم الثلاثي: الاسم الشخصي فاسم الأب فالاسم العائلي. أما في مصر فتعتمد الإدارة فيها ما يسمى فيها بالاسم الرباعي: الاسم الشخصي فاسم الأب فاسم الجد فالاسم العائلي. وهذا يسبب لخبطة كثيرة عند ترجمة الوثائق المصرية إلى اللغات الأوربية لأن أنظمتها القانونية تذكر الاسم الشخصي والاسم العائلي فقط. أما اسم الأب فيذكر على حدة، تمامًا كما هي الحال عليه في النظام الإداري المغربي.
ومما يدخل في باب الأقلمة أيضًا استعمال الأرقام، ففي معظم الدول العربية تستعمل الأرقام الهندية، بينما يستعمل المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا الأرقام العربية. لا يؤثر عدم أخذ هذا الاصطلاح في رسم الأرقام في البلاد العربية بعين الاعتبار على قيمة الترجمة، لكن الالتزام به يزيدها رونقًا وجمالاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يفهم من "توطين" في علم الترجمة توطين البرامج الحاسوبية والترجمة الرقمية عموما، أي الـ localization. أما ما نعنيه نحن بالتوطين في هذه المقالة فهو أقلمة الترجمة مع المعايير الوطنية لكل دولة ذات لغة فيها أكثر من نظام قانوني واحد وتستعمل أي اللغة في غير دولة واحدة (كالعربية والإنكليزية مثلا) مما يعني، تلقائيا، نشوء مصطلحات إقليمية فيها لا تفهم بالمعنى ذاته في الدول الأخرى التي تستعمل اللغة ذاتها.
(2) انظر (السليمان عبدالرحمن، 2007).